أخبار عاجلة

«رشدى سعيد».. أن تعيش مثل النيل متدفقاً ومعطاءً

اشترك لتصلك أهم الأخبار

هذه كانت نصيحة رشدى سعيد وحكمته لنا.. وهذا ما قاله «عاشق النيل» وكرره على مسامعنا. وكتابه الشهير «نهر النيل- نشأته واستخدام مياهه فى الماضى والمستقبل» يعد مرجعا لا غنى عنه لمن يحاول أو يسعى من خلال القراءة والاطلاع أن يتعلم عشق النيل وأيضا كيف يحميه من كل سوء. إنه العشق بمعرفة ووعى وإدراك وإيمان. وأيضا حرص الحفاظ على جريانه وعطائه وذاكرته، وعلى تاريخه وجغرافيته- منبعه ومجراه ومصبه.

رشدى سعيد (المولود فى ١٣ مايو ١٩٢٠) كان الحاضر والفاعل والمتفاعل والمشارك والمساهم- فكرا وعملا وتجربة فى الحياة المصرية منذ الخمسينيات من القرن الماضى، له ذكريات وبصمات لا تُمحى من ذاكرة طلابه وزملائه وأصدقائه ومحبيه. إنه الدارس الملم بجغرافية وعالم الجيولوجيا والأستاذ الجامعى لسنوات طويلة (١٩٥١- ١٩٦٨)، ومدير مؤسسة التعدين ورئيس هيئة المساحة الجيولوجية وعضو البرلمان. إنه «شيخ الجيولوجيين» والمفكر الحالم بتعمير الصحراء وأيضا بتطوير التعليم والبحث العلمى. كما أن كتبه عن «نهر النيل» و«جغرافية مصر» تعد مرجعية علمية وأكاديمية لكل من له اهتمام بالنيل ومصر فى جميع بقاع العالم.

وأعتبر نفسى بلا أدنى شك محظوظا بأننى كنت من المقربين إليه، معايشا لتفاصيل حياته وتحليقات فكره فى السنوات العشرين الأخيرة من عمره وهو مقيم فى الولايات المتحدة. هذا الرجل العلامة أمتعنا فى الـ٨٠ من عمره بمذكراته، وقد صدرت بعنوان «رحلة عمر»، ومن أسعد لحظات حياتى كانت معايشتى له وقت كتابته لرحلة عمره، إذ كان «بيصبح» على صديقنا المشترك فوزى هيكل (رحمه الله) وعلىّ شخصيا يوميا بصفحات من مذكراته مكتوبة بخط يده المنمنم يرسلها بالفاكس لنطلع عليها ونقول رأينا فيما كتبه. د. رشدى فى هذا الكتاب المميز راح كجيولوجى ومفكر يحفر فى طبقات مصر التاريخية والاجتماعية والفكرية ليقدم لنا رحلة عمره- وهى رحلة زاخرة وثرية وصاخبة بأحداث كبرى فى تاريخ مصر. ولعل أهم قيمة عشتها مع رشدى سعيد وتعلمتها منه وسأظل أتذكرها دائما- هى أن هناك أكثر من طريقة ووسيلة لحب مصر والتعبير عن هذا الحب، وأنك لا يجب أن تتردد أو تتخوف أبدا وأنت تعبر عن حبك ولا يجب أن تقايض أو تساوم أو تبحث عن المقابل أو الثمن لهذا الحب، أو تلجأ للكذب أو النفاق. كما أن فى حبك هذا لوطنك مصر ليس من حق أى فرد مهما كان أن يزايد عليك بأنه يحبها أكثر منك، كما أننى أذكر وأتذكر فى هذه اللحظة أننى كثيرا ما شاطرت حزن رشدى سعيد، بل غضبه عندما كان يصفه البعض- عندما لا يعجبهم كلامه أو كانت مواقفه لا تتطابق تماما مع مواقفهم- بأنه «القبطى»، وأحيانا كان يشار إلى كلامه ويتم تصنيفه بأنه آت من «قبطى.. وعلمانى». ولم يكن بالأمر الغريب وأنا أحتفى بحياته فى جنازته، وقد رحل عن دنيانا يوم ٨ فبراير ٢٠١٣ (فى الـ٩٢ من عمره) أن أذكر للحضور وفاءً وعرفانا منى بالجميل أن مولانا (هكذا كنت أناديه) هو ممن تعلمت منهم كيف أعيش الحياة بالطول والعرض.. وبالعمق أيضا. وكيف أن هذا الجيولوجى والمفكر العظيم ساعدنى فى فهم البشر وتقييمهم وتقديرهم.. على أساس «أن الناس معادن». كما أن الدرس الأكبر الذى تعلمته من رشدى سعيد.. هو أن تعيش رحلتك.. رحلة عمرك أو فلنقل رحلات عمرك عمقا.. وأنت تكتشف كالجيولوجى ما فى أعماق أرضك وهويتك وحضارتك وأيضا فى أعماقك. ثم أن تعيش رحلتك متدفقا مثل النيل ومعطاءً مثل النيل وأنت تتدفق وتتجدد وتروى ما حولك وتشارك فى استمرار الحياة.. حياتك وحياتنا.

توماس جورجيسيان

المصرى اليوم

أضف تعليق

أحدث الاخبار

إلغاء نتائج الانتخابات في إقليم بريمورسك الروسية

إلغاء نتائج الانتخابات في إقليم بريمورسك الروسية

ميليشيات إدلب تطالب الجيش التركي بطرد ضيوفه القادمين من ريف حلب!

ميليشيات إدلب تطالب الجيش التركي بطرد ضيوفه القادمين من ريف حلب!

السعودية تعترض صاروخا حوثيا باتجاه جازان

السعودية تعترض صاروخا حوثيا باتجاه جازان

مقتل 1300 من الميليشيات الحوثية بمعقل مؤسسها في 10 أيام

مقتل 1300 من الميليشيات الحوثية بمعقل مؤسسها في 10 أيام

نصر الله: باقون في سوريا حتى إشعار آخر

نصر الله: باقون في سوريا حتى إشعار آخر

دراسة بريطانية تكشف نتائج صادمة عن الزبادي

دراسة بريطانية تكشف نتائج صادمة عن الزبادي

الهند تدرس "نافذة دولارية" لشركات النفط لدعم الروبية

الهند تدرس "نافذة دولارية" لشركات النفط لدعم الروبية

واشنطن مستعدة "على الفور" لإجراء مفاوضات مع بيونغ يانغ

واشنطن مستعدة "على الفور" لإجراء مفاوضات مع بيونغ يانغ

مسؤول أميركي: فولكسفاجن ستنسحب نهائيا من إيران

مسؤول أميركي: فولكسفاجن ستنسحب نهائيا من إيران

شيفرولية تطلق "BLAZER" الجديدة كليا

شيفرولية تطلق "BLAZER" الجديدة كليا

Zanobya Magazine