أخبار عاجلة

إلهاتُ الحُب إلهاتُ الحُب

إلهاتُ الحُب

اشترك لتصلك أهم الأخبار

خُلقت لتخلُق وتبتكر وتضيف، وتسهم بما تحمل من سخاء وسحر، وثراء نفس، وغنى روح، ووصلٍ قلبيٍّ، وحُب لا ينفد، وأنوثة وجمال إلهى، ونقاء وحنان، وحكمة وإلهام، ومعرفة باطنية، وإشراق نورانيٍّ عالٍ فى إعادة صياغة الحياة بتفاصيلها. وتترك أثرًا فيمن يقترب منها، ومن لم ير ذلك فى المرأة فهو مُجحف، ومُجدب، ومتجهم، ورجيم، وجلمُود (كجُلْمودِ صخرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ- كما قال امرؤ القيس)، وجاحد جاهل، وجاف جامد لا حس لديه، ولا عقل به يفكِّر ويختبر ويرى.

فالمرأة لها بصرٌ حاد يشاهد، وبصيرة تتنبَّأ وتُنبِئ بالكثير، وترى بحدْسها وغريزتها ما لا يراه الرجال من حولها.

وما يؤذى المرأة نفسيًّا، أن تكون هامشًا لا متنًا، سطرًا فى كتابٍ وليست الكتاب بكامله، تجربةً عابرةً لا كونًا مقيمًا؛ لأن المرأة ترى نفسها ربَّة أو إلهةً، تستحوذ، وتلهم، وتكره أن يكون لها شريك، وتتبع تقويم قلبها، ولا تلتفت إلى أى تقاويم أخرى، إذ هى محور الارتكاز، وعمود البيت، ورمانة الميزان، وأول الأبجدية، والصراط الحق المستقيم الذى ينبغى لمن يحبها أن يمشى عليه، وأنها- فى مثلا- حفيدة إلهات كثيرات عشن على امتداد الأسرات، مثل: إيزيس، وحتحُور، ونوت، وماعت، وسخمت، وباستيت، وأمنتنت، وباخت، وتاورت، وتفنوت، وخونسو أو خونس، وسشات، ومرت سجر أو مريت سجر، أى التى تحب الصمت، ونخبيت، وسرت، وغيرهن من الربَّات، وما أكثرهن فى مصر، ذلك البلد الذى عبَد شعبه المرأة، وقدَّسها واتخذها إلهةً له راضيًا مرضيًّا، بلد عرف تعدُّد الآلهة، ولذلك يتحلَّى شعبه بالتسامح والعفو والرضا والقبول بالآخر، وما التشدُّد والتزمُّت فيه بين بعض أفراده إلا ظاهرة صحراوية وافدة لا تنتمى إلى طبيعته المُحبَّة المسالمة الكريمة المعطاء.

وكان على المصرى أن يحفظ أسماء آلهته (نساءً أوذكُورًا): لأنه سيُسأل عنها وقت الحساب، وخَشية النسيان كان يُوضَع كتابُ الخروج إلى النهار، المعروف بـ«كتاب الموتى» معه فى القبر؛ ليعِينَه على التذكُّر والاستعادة، والاستعداد ليوم البعث.

والمصرى بفطرته اعتاد تأليه المرأة، وتمجيدها والصلاة فى محرابها، والنظر إليها بتبجيلٍ وإجلالٍ وقداسةٍ خصُوصًا فى صعيد مصر، لحضورِها الباذخ، ومكانتها العالية؛ ولذا فهو يُقدِّم لها القرابين والهدايا؛ ليقتربَ أكثر، ويستميلها نحوه، ويتبعها أينما وجَّهت وجهها.

وقد اتخذ الشاعرُ المرأةَ التى يحبُّ إلهةَ وحيِه، واعتمدها حلمه، ووعدَه، ومأواه، ولغته، وسماءه الأعلى، ولذةَ وجْدِه، ومتنَ نصِّه المُرْتَجى، وهو هنا إذ يسعى إلى تخ��يد نفسه، فهو يسعى إلى تخليد إلهتِه التى هو بدونها لن تتحقَّق كينونته ويصير الإنسان الكامل، حيث يكون معها فى مرتبة الانتقال من الحسِّى المُجرَّد إلى الرُّوحى العقلى؛ وإن افترضنا أنه عاش فى الجسد، فإنها ستكون حياة رُوحية استلهامية؛ إذ سيستخرج من أرض الجسد معادن الروح النفيسة، بلا خجلٍ أو وجَلٍ أو ريبٍ، مؤمنًا بأن شهوة الحُب تعلو وتسمُو كلما كان جسد الإلهة سامقًا فى بريته وتوحشه، حيث تفتح جنته، وتكون المتعة تجليًا للذوبان والاتحاد الحادثيْن والناتجيْن عن دخول الرُّوحى فى الجسدى، وهنا للماء المقدس أو سائل الحب رحلةٌ معراجيةٌ تنتهى بالوصول إلى النقطة المُشتهاة التى يرجوها المُحب العابد لإلهتِه.

فالشاعر لا يرضى من المرأة بالجسد، وإن رأيتم «شاعرًا» هكذا، فهو ليس منَّا، ذلك الذى يرضى بالعابر والمؤقَّت والمرُورى. ولا يستوى عندى الشاعر العاشق بمن يعشق فقط ولا يمارس كتابة الشِّعر؛ إذ مع الشاعر نجده يخلق هو الآخر امرأته إلهته مثلما هى تخلقه، يخلقها داخله وعلى الورق أيضًا، كما أن عبادته العشقية- حيث التوحيد فى الحُب بلا شراكةٍ- تكون مختلفة فى طقوسها ومظاهرها، لأن «غرام الشعراء» دائمًا فريد وخاص وله سمات نادرة، فالشاعر ليس مجرَّد رجل حسِّى يلتذ بجسد من يحب، لكنه مخلوقٌ آخر فى العشق.

والمرأة تحبُّ أن تجد نفسها مُجسَّدةً فى نصوص شِعْر عاشقها بشكلٍ فنيٍّ وجماليٍّ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، وهذا سلوك يطمئنها ويرضيها نفسيًّا، ويريحها من الشكُوك والريبة. فهى لا تقبل من شاعرِها أن يُشرِك غيرَها فيما يكتب؛ لأنَّها إلهته وربَّته المُلهِمة. وكم من مرة أشرت إلى أن المرأة تكره أن تكون مجرد لعبة شعرية، يلعبها الشاعر كى يكتب نصا أو كتابا شعريا كاملا أو أكثر من كتاب، وأنها كانت جسرا يعبر عليه الشاعر لينجز قصيدة، ومثلى لا يؤمن بشعر كهذا، ولا بحب كهذا، لأن الصدق منتف وغائب عن كليهما. فما أسوأ أن تكون المرأة وسيلة لغاية، بمعنى أنها كانت مجرد قصة حب فيها من الزيف أكثر، وأن تحل الأهواء أو المغامرات أو الرغبات أو النزوات محل الحب.

وفى تاريخ الديانة المصرية القديمة، وجدتُ أن الإلهات المصريات كُنَّ إلهات السماء، والهواء، والقمر، والحُب، والجمال، والحكمة، والمعرفة، والكتابة، والهندسة المعمارية، وعلم الفلك، وعلم التنجيم، والبناء، والرياضيات، وعلم المساحة، والأمومة البارَّة، والسعادة، والموسيقى، والخُصُوبة، الرطُوبة والمطر، والنار، والموتى، والحق والعدل والنظام فى الكون، والخُلُق الطيب، والحنان والوداعة، والولادة، والحمل.

ahmad_shahawy@hotmail.com

المصرى اليوم

أضف تعليق