أخبار عاجلة

تعقيب من المفكر السودانى حيدر إبراهيم على (1- 2) تعقيب من المفكر السودانى حيدر إبراهيم على (1- 2)

تعقيب من المفكر السودانى حيدر إبراهيم على (1- 2)

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تلقيت الرسالة التالية من الأستاذ الدكتور حيدر إبراهيم على، مدير مركز الدراسات السودانية، وتعود معرفتى بسيادته إلى أكثر من ثلاثين عامًا، وهو بروفسور ومفكر سودانى مرموق، ولا أبالغ إذا قلت إنه مفكر إنسانى يعبر فكره وتكوينه الإنسانى حدود الوطنية القومية.

الأستاذ الدكتور حيدر يعلق فى رسالته- بل الأكثر صحة- يؤصل فى رسالته، ويعمق ما طرحه كاتب هذه السطور، فى مقال سابق عن ، وفى المقال ناشدت «المصرى اليوم» أن تعقد ندوة عن العلاقات السودانية- المصرية، تدعو فيها إخوة سودانيين، فكان أن حذفت إدارة التحرير اسمها من عنوان المقال، دون أن تعود للكاتب، ليقول لها شكرًا على التغيير، لأنه جاء أكثر مناسبة، طالما أن «المصرى» لن تستجيب للنداء، ومن ثم يصبح إبرازه إحراجًا للطرفين، أى للكاتب وللمؤسسة! غير أننى أتجاوز عن الأمر، لأن هناك ما هو أهم من مناقشة آداب العلاقة بين الناشر والكاتب.

وإلى نص ما تلقيته من المفكر الموسوعى، ابن السودان الدكتور حيدر إبراهيم على:

(الأخ العزيز أحمد الجمّال:

تحية عطرة ومنى طيبة بعام جديد سعيد تتحقق خلاله الأمنيات المؤجلة طويلًا.. وشكرًا على مبادرتك التى تعمل على إبعاد مزاج الاكتئاب السياسى الذى يهيمن على الطرفين ويتجلى فى اللغة الهابطة والخطاب البذىء والعجز عن الحوار الموضوعى، وفى إفساح المجال لإعلام «فرش الملاية»، بلغته السوقية، لكى يشكل الوعى الزائف المتبادل وسط الجماهير، وانتقل نقاش الحوارى والبلطجة إلى استديوهات التليفزيون، التى صارت أقرب إلى الغرز غير الممنوعة.

عجزت عن تصور حقيقة حدوث ما أطالعه فى الصحف، وأشاهده على الشاشة متسائلًا: هل وصلت بنا الأمور فعلًا لهذا الدرك السحيق من الانحطاط السياسى والثقافى، فأنا من جيل التى فى خاطره تختلف تمامًا عما هو حادث، وعما يراه ويسمعه. فقد عاصرت فى صباى قبل الاستقلال بقليل الشعارات التى كانت تُطالب بشكل العلاقات مع مصر. يهتف بعضها: «عاشت وحدة وادى النيل». كان البعض يراها فى وحدة الشعبين تحت التاج المصرى، ويهتف اليساريون: «عاش الكفاح المشترك»، وهى وحدة نضال ضد الوجود الاستعمارى.

كانت الجامعات المصرية تعج بالطلاب السودانيين، كما أُرسل عشرات الطلاب المتفوقين فى «بعثة السنهورى»، نهاية الأربعينيات إلى فرنسا، وعادوا ليتصدروا الحركة الوطنية، وتقلد بعضهم مواقع مهمة فى الحكومات الوطنية. وفى الوقت ذاته كان عساكر الهجانة السودانيون يحرسون الحدود المصرية، مدافعين عن وطنهم الثانى، ويجعلون من (عين ) و(الجبل الأصفر) أحياء سودانية داخل القاهرة، وتمت عشرات الزيجات المختلطة.

وفى تلك الفترة كان الشعراء السودانيون: جيلى عبدالرحمن، وتاج السر الحسن، ومحمد الفيتورى، ومحيى الدين صابر ومحيى الدين فارس، وجماع، وعبدالله الشيخ البشير- يزينون منتديات مصر الأدبية، وقبلهم شجّع العقاد الأديب معاوية نور على الكتابة فى جريدة (السياسة) وقد فعل. وعند تأسيس صحيفة (المساء) مطلع الستينيات أُوكلت لجيلى عبدالرحمن مهمة الإشراف على الصفحة الثقافية. وغنت أم كلثوم للشاعر السودانى: «هذه ليلتى».

أما فى سودان تلك الحقبة، فقد كانت جامعة القاهرة- فرع الخرطوم- تمثل منارة ثقافية وفكرية وأكاديمية. ولا تنسى جامعة الخرطوم الدكتور عبدالعزيز إسحق الذى أسس حين عاد منها إلى مصر: «الرابطة الإفريقية»، ولتظهر أسماء كالنجوم الباهرة مهتمة بإفريقيا والسودان: محمد فائق، عبدالملك عودة، حلمى شعراوى وبطرس غالى.

وجاء أفضل الكتابات بالعربية عن السودان من مصريين، على رأسهم المرجع العمدة لعبدالمجيد عابدين: «تاريخ الثقافة العربية فى السودان». وفى التاريخ الوسيط، كان المرجع كتابات مصطفى مسعد، ولاحقًا شوقى الجمل ومحمد فؤاد شكرى، ونسيم مقار. وفى الأدب: عبد بدوى، وعزالدين إسماعيل، ومحمد النويهى، وأنا نفسى درست فى معهد المعلمين العالى- كلية التربية لاحقًا- على يد د. محمد زكى العشماوى الذى عرّفنى بالشعر الحديث، وكان يجول داخل القاعة ويقرأ علينا بصوته الجهورى المُنغّم وقوامه الرومانى القديم: قصائد عبدالمعطى حجازى، «الطريق إلى السيدة»، وصلاح عبدالصبور: «شنق زهران»، ومسرحيات «أوديب ملكًا»، ودرست على يد د. خليل عساكر العروض وشذرات من اللغات السامية.. وقد كانت كتابات د. سعد ماهر حمزة من المساهمات المبكرة فى الاقتصاد، كذلك كانت كتابات الدكتور كمال دسوقى فى علم النفس الاجتماعى، وصلاح الدين الشامى فى الجغرافيا ود. محمد عوض محمد صاحب المرجع الرئيس: «السودان الشمالى وقبائله»، وكان كتاب د. عبدالقادر محمود «الفكر الصوفى فى السودان»، المبادرة الأولى فى هذا الميدان العلمى، ولا ننسى د. محمد محيى الدين عوض فى القانون، ود. طلبة عويضة الذى فتح قلبه وجامعة الزقازيق حين عاد إلى مصر للسودانيين. وتخصص كثيرون محبون للسودان فى تأليف الكتب عن السودان، تميزت كتاباتهم بالرصانة العلمية والمحبة معًا، وعلى رأسهم الأساتذة حلمى شعراوى، الذى درس فى جامعة «جوبا»، والمرحومان يوسف الشريف وأحمد حمروش والأستاذة أمينة النقاش.

نحن من جيل يتذكر جيدًا كيف اختلطت دماء وأرواح المصريين والسودانيين فى سجون إبراهيم عبدالهادى خلال العهد الملكى.

وكتب أحمد الرفاعى فى سيرته: «يسارى متميز»، ما يلى: «بعد الإفراج عنى ببضعة أيام فوجئت بأحد الرفاق يطرق الباب ويستفسر منى: هل تعلم أن صلاح قد مات، وأن اليوم تشييع جنازته؟ وأحسست بالمأساة، صلاح كان زميلى فى مدة السجن، صلاح بشرى ابن السودان، وطالب الهندسة المصاب بالسل، الممنوع عنه الدواء حتى يركع». ص 128.

وجابت القاهرة مظاهرة تحمل جثمان مناضل سودانى- هكذا كانت العلاقة يا أحمد موسى وتوفيق عكاشة- وأرسلت الحكومة الجثمان بطائرة حربية ليدفن فى مسقط رأسه عطبرة، امتصاصًا للغضب. وحينئذ كانت التنظيمات العقائدية مثل الإخوان المسلمين والشيوعيين ذات عضوية مشتركة فى البلدين. وكانت حركة «حدتو»، قد قررت أن السودانى الملتزم حين يأتى إلى مصر يصبح تلقائيًا عضوًا فى التنظيم المصرى، والعكس أيضًا، يصبح المصرى المنتمى لـ«حدتو»، حين يذهب للسودان يصبح تلقائيًا عضوًا فى الحزب الشيوعى السودانى).

وللرسالة والمقال بقية الأسبوع المقبل.

a_algammal@yahoo.co.uk

المصرى اليوم

أضف تعليق

أحدث الاخبار

وفاة الحالة الـ 16 بين الحجاج المصريين بالسعودية

وفاة الحالة الـ 16 بين الحجاج المصريين بالسعودية

مفتى الجمهورية: الجهود السعودية لخدمة الحرمين الشريفين تاريخ مشرف

مفتى الجمهورية: الجهود السعودية لخدمة الحرمين الشريفين تاريخ مشرف

رئيس القضاء السوداني يشيد بدور القنصل المصري في تعزيز العلاقات

رئيس القضاء السوداني يشيد بدور القنصل المصري في تعزيز العلاقات

اشتراط الطهارة للطواف - الشيخ صالح المغامسي

اشتراط الطهارة للطواف - الشيخ صالح المغامسي

عبد الغني لـ عيون الحدث: هؤلاء المرشحين الأبرز لمدير المنتخب.. لم نحسم أي شيء بعد

عبد الغني لـ عيون الحدث: هؤلاء المرشحين الأبرز لمدير المنتخب.. لم نحسم أي شيء بعد

مباشر #كأس_جامبر - برشلونة (3) بوكا جونيورز (0).. نهاية المباراة

مباشر #كأس_جامبر - برشلونة (3) بوكا جونيورز (0).. نهاية المباراة

نمو الاقتصاد التونسي 2.6% على أساس سنوي في النصف الأول من العام

نمو الاقتصاد التونسي 2.6% على أساس سنوي في النصف الأول من العام

السعودية تعلق رحلات الحجاج القادمة إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة

السعودية تعلق رحلات الحجاج القادمة إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة

صحيفة كندية: 54% من الكنديين يشعرون بالقلق حيال مقاطعة الرياض لـ «أتاوا»

صحيفة كندية: 54% من الكنديين يشعرون بالقلق حيال مقاطعة الرياض لـ «أتاوا»

سيناتور أسترالي يدعو إلى "حل نهائي" للمسلمين

سيناتور أسترالي يدعو إلى "حل نهائي" للمسلمين

Zanobya Magazine